السيد محسن الأمين

89

أعيان الشيعة ( الملاحق )

الخروج للاستسقاء والإنابة إلى الله تعالى في كشف الشدائد والبلوى كل هذا رأيناه وسمعناه عنهم فهل سمعت من جاهلية العرب مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب والكلام مع ذكي القلب ومن لا ترضى نفسه بحضيض التقليد في أصول الديانات والتوحيد واما ميت القلب بليد الذهن ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد والتعلق على ما يحكى عن فلان وفلان في معتقد أهل المقابر فذاك فاسد الفطرة وخطابه محض عناء . هذا أيضا افتراء منه على المسلمين فكلهم يعلم أن القادر المختار على كل شيء هو الله تعالى وحده وان النبي فمن دونه لا يملك لنفسه ولا لغيره نفعا ولا ضرا الا بإذن الله وانه لا ينفع الا قصده تعالى والإنابة اليه وهذا راسخ في نفوسهم خاطر دائما ببالهم مطابق لأفعالهم وأقوالهم وليس للولي ولا لمشهد الشيخ في نفوسهم شيء غير ما جعله الله له من البركة والشفاعة واستجابة الدعاء فيقصدون مشهده وينادونه طلبا لذلك الذي لا يخرج عن قصد الله تعالى والإنابة اليه كما لم يخرج سؤال الدعاء من المؤمن عن ذلك ( واما قوله ) حتى جعلوا الذهاب إلى المشاهد عوضا عن الخروج للاستسقاء فهو كسابقه في أنه كذب وافتراء فكلهم يخرجون إلى الاستسقاء عند احتباس قطر السماء ويدعون الله مع ذلك في المشاهد المباركة كما يدعونه في المساجد وفي كل مكان هو مظنة إجابة الدعاء ولم نر ولم نسمع عنهم غير ذلك نعم يوجد في الناس من يدعي الولاية لمن ليس أهلا لها ولكن لا يقاس به من أثبت الولاية لأهلها ودخل البيوت من أبوابها فيعمم الكلام لجميع المسلمين ولكن الوهابية لما ألفت طباعهم شبهات ابن عبد الوهاب وفسدت بها فطرهم وعز عنها امتناعهم لا يكاد يخطر ببال أحدهم ما يخطر ببال آحاد المسلمين من احترام من جعل الله له الحرمة والتشفع والتوسل والتبرك بمن جعل الله له الشفاعة والوسيلة والبركة حتى جعلوا قبور الأنبياء والأولياء أصناما وأوثانا ومن عظمها وتبرك بها كافرا مشركا فهل سمعت من جاهلية العرب أو من أحد من أهل الملل والنحل مثل هذه الغرائب التي ينتهي عندها العجب والكلام مع المسلم الذكي القلب المتبع طريقة المسلمين المنصف العارف بمنزلة الأنبياء والأولياء عند الله تعالى ورفيع درجتهم أما ميت القلب بليد الذهن جامد القريحة الذي نبذ ما عليه المسلمون كافة وخالف إجماعهم وطريقتهم وجهل منزلة الأنبياء والأولياء وقصر بهم عن المرتبة التي جعلها الله لهم وتمحل وعاند ومن لا تفارق همته التشبث بأذيال التقليد لشخص واحد يجوز عليه الخطا والتعلق على ما يقوله والاتباع لشبهة سنها وضلالة ابتدعها حتى كأنها وحي منزل فذلك ميت القلب بليد الذهن فاسد الفطرة وخطابه محض عناء ( أما المتصوفة ) فإذا فرض نقلهم بعض المناقب المكذوبة عن مشائخهم فهل يوجب ذلك بطلان مناقب الأنبياء والأولياء على العموم ومع ذلك فالظاهر أنهم لا يعتقدون في مشائخهم الاستقلال في التصرف ولا يزيدون عن اعتقاد انهم عباد مكرمون ومع الشك يجب حملهم على ذلك لوجوب حمل أفعال المسلمين وأقوالهم على الصحة مع الإمكان وما نقله عن حاشية البيجوري لا يوجب اعتقاده كفرا ولا شركا لأنه ممكن فيجب قبوله إذا دل عليه النقل وهب ان ناقله كاذب فلا يكون كافرا بل عاصيا ( اما إمكانه ) فلتواتر النقل بأنه تعالى يستعمل الملائكة في نظام عالم التكوين بلا حاجة منه إليهم فجبرائيل أمينه على وحيه وإسرافيل نافخ الصور ورضوان خازن الجنان ومالك خازن النيران والكروبيون حملة العرش وعزرائيل قابض الأرواح 89 والزبانية موكلون بأهل النار والحفظ موكلون باعمال الخلائق ومنكر ونكير بحساب القبر ( وفي الصحيفة الكاملة ) لزين العابدين علي بن الحسين ( ع ) في الصلاة على الملائكة ( قال ) وخزان المطر وزواجر السحاب والذي بصوت زجره يسمع زجل الرعود وإذا سبحت به خفيفة السحاب التمعت صواعق البروق ومشيعي الثلج والبرد والهابطين مع قطر المطر إذا نزل والقوام على خزائن الرياح والموكلين بالجبال فلا تزول والذين عرفتهم مثاقيل المياه وكيل [ كل ] ما تحويه لواعج الأمطار وعوالجها ورسلك من الملائكة إلى أهل الأرض بمكروه ما ينزل من البلاء ومحبوب الرخاء والسفرة الكرام البررة والحفظة الكرام الكاتبين وملك الموت وأعوانه ومنكر ونكير ورومان فتان القبور والطائفين بالبيت المعمور ومالك والخزنة ورضوان وسدنة الجنان ( إلى أن قال ) والزبانية الذين إذا قيل لهم خُذُوهُ فَغُلُّوهُ ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ ابتدروه سراعا ولم ينظروه ( إلى أن قال ) ومن منهم على الخلق انتهى . فلا مانع من أن يوكل الله تعالى ملكا لقضاء حوائج الخلق ولا يكون معتقده كافرا إذا كان مخطئا فضلا عن المصيب ولا ينافي ذلك الآيات التي ذكرها فمجيب الدعوة وقاضي الحاجة حقيقة هو الله تعالى كما أنه تعالى تارة قال : ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها . وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ ) وتارة قال : ( قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ . الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظالِمِي أَنْفُسِهِمْ . الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ . تَوَفَّتْهُ رُسُلُنا . إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ . فَكَيْفَ إِذا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلائِكَةُ . حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ ) . فكما لا تناقض بين هذه الآيات لا تناقض بين ما ذكره بعد صحة النقل المذكور ومنه يعلم أنه أولى بنسبة نبذ كتاب الله وراء ظهره اليه وما ذكره الشعراني في ترجمة الحنفي لا يوجب إسقاط حرمة الأنبياء والأولياء وشفاعتهم واستغفارهم ودعائهم ووسيلتهم رأسا وإذا تجاوز الشعراني في بعض شطحه لا يتعدى ذلك إلى غيره ( وإذا ) اعتقد بعض الناس في المشايخ والأولياء الذين بعضهم من الدجالين والمحتالين أو المجانين ما لا ينبغي اعتقاده فليس لنا ان نأخذ بذنبهم غيرهم ممن اعتقد في الأنبياء والأولياء والصلحاء الحقيقيين ( أما قوله ) ولم يبلغ شرك الجاهلية إلى هذه الغاية فقد مر نظيره في كلام الصنعاني ومر الكلام عليه ( وأما حكاية المرأة التي كف بصرها ) فلا يقاس عليها غيرها مع أنه يمكن ان يلتمس لكلامها وجه صحيح ان صحت الحكاية وهو ان الله تعالى قد اقتضت مشيئته كف بصرها فلم يبق الا ان تتوسل بهذا الولي وبحبه إلى الله ليرد عليها بصرها ( أما ما حكاه ) عن بعض المغاربة فغير بعيد انه من الأكاذيب نظير ما مر حكايته من أن رجلا صلى إلى ضريح ابن عباس وترك القبلة عامدا فانا لم نر ولم ينقل لنا وقوع شيء من هذا في شيء من البلدان والأزمان ولو صح لم يقس عليه غيره وهو خاص بفاعله كقول من قال لا يدق وتد في القاهرة الا باذن السيد البدوي مع أن من يقول هذا لا يصح ان يسمى عالما فهل إذا غلطت امرأة كف بصرها أو بعض المغاربة أو بعض علماء مصر نغلط كافة الأمة ونكفرهم ( قوله ) وقد اشتهر ما يقع من السجود على أعتاب المشهد مر الكلام عليه في هذا الباب عند الرد على الصنعاني ( قوله ) لا يمنع حقيقة العبادة الصورية المدار على العبادة الحقيقية لا الصورية والأعمال بالنيات أما شراء الولد بشيء معين والمرأة بشيء من مهرها فلم نسمع بذلك ولم نره ولو فرض صحته فيختص بفاعله مع أن له وجها صحيحا وهو قصد التصدق عن الولد أو المرأة بمال وإهداء ثواب الصدقة إلى الولي فيجب الحمل على الصحة ما أمكن